في 9 يونيو 1959: أول غواصة نووية صاروخية في التاريخ
في مثل هذا اليوم قبل أكثر من ستة عقود، كانت البشرية على موعد مع لحظة فاصلة في تاريخ الحروب البحرية. ففي التاسع من يونيو عام 1959، انطلقت إلى المياه أول غواصة نووية صاروخية في التاريخ، مسلحة بصواريخ باليستية عابرة للقارات، لتحمل البشرية إلى عصر جديد من الردع النووي يعرف بـ «الثالوث النووي» (Nuclear Triad).
من مفهوم إلى واقع: تطوير SSBN-598
كانت الولايات المتحدة آنذاك في سباق محموم مع الاتحاد السوفيتي، والبحرية الأمريكية أدركت أن التفوق البحري لا يُبنى بالسفن العامة فحسب، بل بأدوات الدمار المتجول تحت أعماق المحيطات. بدأ تصميم الغواصة USS George Washington (SSBN-598) عام 1957، وتم بناؤها بواسطة شركة Electric Boat في مقرها بجروتون، كونتيكت. تم تسميتها على اسم أول رئيس للأمريكيين، وهو اختيار رمزي يعكس أهمية المشروع الاستراتيجية.
كانت الغواصة تمثالاً استراتيجياً فريداً: طولها 116 متراً، وعرضها أكثر من 10 أمتار، وكانت تُشيد فوق منصة تم تعديلها من الغواصة النووية الاعتيادية USS Skipjack. لكن الفارق الجوهري وشيكاً آخر: حيث علق جون ستيوارت رئيس ومهندس مشروع، “كيف سيبدو البحر لو لم ينجح هذا التعديل؟».
لماذا كانت هذه اللحظة محورية؟
تمثلت الأهمية الأساسية في أن George Washington كانت أول منصة ضاربة قادرة على إطلاق صواريخ عابرة للقارات من تحت الماء. كانت تحمل 16 صاروخاً باليستياً من طراز UGM-27 Polaris، ولكل منها القدرة على إطلاق حمولة تزيد عن مليون طن من المتفجرات المكافئة، وهي قوة كافية لتدمير أهدافها. كانت الغواصة مثل مقاتل يروم بكرة نووية الدمار الأرضي مستقراً تحت الغطاء الازرق الرهيب.
من منظور استراتيجي، غيرت هذه اللحظة قواعد اللعبة. فقد أضافت البحرية الأمريكية إلى ترسانتها الثالوث النووي الذي يتضمن القاذفات الاستراتيجية والصواريخ الأرضية رافعة أسطورية ثالثة: الغواصات الصاروخية النووية. كانت هذه المنصة الضاربة الأكثر خفاءً في التاريخ، حيث يمكنها أن تبقى أسابيع تحت الماء دون الحاجة للتزود بالوقود، وأنهت عصر الأسطول السطحي كقوة رئيسية.
التأثير المدى
خدمت USS George Washington حتى عام 1985، وباتت أقرب إلى أسطورة أكثر منها إلى آلة حرب. أثرها لم ينحصر في البحرية الأمريكية؛ فقد استعان الاتحاد السوفيتي لاحقاً بغواصاته الصاروخية الخاصة، وتبعتهما بريطانيا وفرنسا والصين والهند، حتى أصبحت هذه الأنظمة جزءاً حيوياً من العقيدات الاستراتيجية العالمية. لكن يظل مصطلح الثالوث النووي الذي أثرت George Washington في تأصيله، بمثابة قاعدة أخلاقية تتجاوز المجال العسكري.
على الرغم من الدمار الهائل الذي تحمل على متنها الاحتمال تسببه، فقد جادل بعض المفكرين السلميين بأن الردع الموجود قد أسهم في استقرار الحرب الباردة. فقناعة كل دولة بأن للآخر القدرة على الدمار المتبادل الشامل أدى إلى احتساب الحرب، وهذا ما جعل تعبير الدمار المتبادل الشامل MAD يصبح عُرفاً في مجال العلاقات الدولية.
خلاصة: لحظة تحوّرت ذاتها
القِ نظرة على التاريخ من منظار لحظة واحدة في التاسع من يونيو عام 1959، وستجد أنه لم يكن مجرد إطلاق غواصة — لقد كان إطلاق قوة غيرت قواعد الحرب. ومن غيرها، لا يدري أحد كيف ستتشكل شبكات السلام والحرب في العقود التالية. من السهل أن ندين أدوات الدمار، لكن من الصعب أن ننكر أن السلم أحياناً يعتمد على التوازن بين القوى.
