كانت فرنسا تتلقى أشدّ الضربات على يد الجيش الألماني، وباريس على وشك السقوط. في تلك اللحظة العصيبة، لم يجد بينيتو موسوليني مانعًا من الانضمام إلى الحرب. ففي 10 يونيو 1940، أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا وبريطانيا العظمى، لتدخل رسمياً الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا النازية. لم يكن القرار نتيجة استراتيجية بقدر ما كان رهاناً سياسياً متهوراً بهدف كسب عشرية لن يدخرها الزمن.
لماذا موسوليني الآن؟
كان الجيش الألماني قد أطاح بدفاعات فرنسا وأصبح باريس على وشك السقوط. أدرك موسوليني، الملقب بـ «الدوشي»، أن هذه هي اللحظة الحاسمة التي يمكنه فيها الحصول على أرباح سياسية من شيء لم يكلفه شيئاً. وبدافع من سياسات التوسع الفاشي، كان يعزز هذا الشعور بالأهمية المصطنعة. لكن الواقع كان مغايراً تماماً.
في خطاب من شرفة قصر فينيسيا، أعلن موسوليني الحرب بحماس مبالغ فيه، واتهم فرنسا والمملكة المتحدة بمحاصرة إيطاليا. لكن خلف ستار الكلام البليغ، كانت الحقيقة مجرد حسابات سياسية لا أكثر. إن «ميثاق الصلب» بين إيطاليا وألمانيا كان قد وُقّع سابقاً، ولم يكن أمام موسوليني من أدعاء سوى هذه الحرب المجانية التي أمل في أن لا تكلفه كثيراً.
النتيجة العكسية
لم تدخل إيطاليا الحرب شجاعةً، بل كانت مغامرة سياسية. فعندما هاجم الجيش الإيطالي الدفاعات الفرنسية من الجنوب في 15 يونيو، لم ينل منها ما كان يعتقد أنه ستكون نزهة عسكرية. فقد صمد الجيش الفرنسي في خطوطه المعروفة بشكل مذهل، ولم يكن الجيش الإيطالي قادراً على تحقيق أي اختراق مهم. وجّه موسوليني كلماته صوب العاصمة الفرنسية كأنها معركة فاصلة، لكن الواقع كان صموداً فرنسياً أغرب من الخيال.
كان موسوليني قد اعتمد استراتيجية تفترض أن الحرب ستكون «حرباً لمدة 45 يوماً». لكن الأيام التي تلت التصريح كانت لتُظهر أن الأمل مدفون، وأن الفاشية ليست بالوتيرة المادية. فقد استسلمت فرنسا في 22 يونيو 1940، وتبيّن أن جزءاً كبيراً من جيش إيطاليا احتاج إلى إعادة تنظيم. لم يتمكن الإيطاليون من تحقيق أي مكاسب حقيقية، وتحولت حملتهم العسكرية إلى مجرد محاولة يائسة بين الجبال.
نهاية الفاشية
لم تكن هذه المغامرة مجرد خيبة أمل عسكرية، بل كانت كارثة حقيقية. فقد مات آلاف الجنود الإيطاليين دون طائل، في معارك لم يكن لهم فيها نصيب. ومع تعمّق الحرب، بدأت مدن إيطاليا في الإصابة بالقصف، وتحولت ساحاتها إلى مسارح احتلال واسعة. أصبح بطل «المغامرة» يرى ذاته يتآكل أمام هذا الإطار الفاشي الكاذب.
في 1943، سقطت صقلية في أيدي الحلفاء، وفشل النظام الفاشي، وأصبح موسوليني نفسه رمشة عين على الخشبة الفاشية المسرحية في روما. وفي غضون سنوات قليلة أُطيح بالحزب الفاشي، وتحولت إيطاليا من «المدجن» إلى «سمكة صغيرة» في مياه المحيط الأطلسي الصعبة.
خسر الإيطاليون آلاف الجنود، وحوّلت أراضيهم إلى ساحات قتال. لم تكن هذه الحرب سوى ورقة أيديلوجية من موسوليني، لكنّها كشفت للعالم أن الحرب ليست لعبة، بل نقطة تحول مصيرية تتحكم فيها الأقدار والمصالح السياسية. تحيات toly.today.
