في 12 يونيو 1987: خطاب تاريخي غيّر وجه أوروبا — ريغان يطالب بهدم جدار برلين

في مثل هذا اليوم من عام 1987، وقف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان أمام بوابة براندنبورغ في برلين الغربية، وألقى خطاباً تاريخياً يرتجّ له العالم حتى اليوم. في ظل وجود جدار من الخرسان والأسلاك الشائكة يقسم مدينة برلين منذ عام 1961، وجّه ريغان كلماته مباشرةً إلى الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف بعبارة أصبحت رمزاً لنهاية الحرب الباردة: «افرض هذا الجدار!»

لم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي معتاد، بل كان تحدّياً مباشراً لنظام الشرق الأوسطي الذي ظلّ يعتقد أن القوة العسكرية وحدها تضمن بقاءه. عندما قال ريغان: «إذا كنت تبحث عن السلام، إذا كنت تبحث عن الازدهار للاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، إذا كنت تبحث عن التحرر: تعال إلى هذه البوابة! جاكوبي، افتح هذه البوابة! جاكوبي، أهدم هذا الجدار!»، كانت الكلمات تحمل في طياتها رسالة أعمق بكثير من مجرّد أمر.

السياق التاريخي الذي أحاط بذلك الخطاب لا يقلّ أهمية عن الخطاب نفسه. ففي عام 1987، كانت أوروبا مقسّمة بجدران حقيقية ومجازية. برلين، التي كانت رمزاً للتدمير خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت رمزاً للانقسام العالمي. الجدار الذي شيّدته القوات السوفييتية في عام 1961 كان ليس فقط حاجزاً فيزيائياً، بل كان مظهراً ملموساً للستار الحديدي الذي ينقسم به العالم إلى معسكرين متعاديين.

لكن ما هي تلك العوامل التي جعلت هذا الخطاب يتحول من مجرد كلمات ألقيت في يوم صيفي إلى لحظة فارقة في التاريخ؟ كان أهم عنصر هو التوقيت. ففي السنوات التي سبقت الخطاب، بدأت سياسة الانفتاح (غلاسنوست) والإعادة البناء (بيريسترويكا) التي أطلقها غورباتشوف تخلق شروخاً في بنية الاتحاد السوفييتي. كان العالم يتّجه نحو تغيير جذري، وكان خطاب ريغان شعلة تُضاء في آخر لحظة قبل انهيار النظام.

الأثر التاريخي والتراث المستمر

لم يُولَ ذلك الخطاب اهتماماً كبيراً في حينه. فقد قال دبلوماسيون أمريكيون إنه «يبدو متطرفاً»، وحذّر كولين باول، مستشار الأمن الوطني آنذاك، من أنه «غير رئاسي». حتى وزارة الخارجية السوفييتية وصفت الخطاب بأنه «خطاب حرباني مستفز». لكن التاريخ أثبت أن هؤلاء جميعاً أخطأوا في تقدير تأثير الكلمات.

فبعد سنتين فقط، في 9 نوفمبر 1989، انهار جدار برلين بعد احتجاجات شعبية وغياب تدخّل عسكري من الاتحاد السوفييتي. لتبدأ بعدها عملية إعادة توحيد ألمانيا في 3 أكتوبر 1990، وينتهي الستار الحديدي الذي قسّم أوروبا لأكثر من أربعة عقود.

لقد أصبح خطاب ريغان رمزاً لقوة الكلمات في مواجهة الظلم السياسي. فهو يذكرنا أن الحريّة ليست هبة من السلطة، بل حقٌّ غير قابل للتصرف. وكما قال ريغان في ذات الخطاب: «فريدوم يدري يدري… الحرية والعدالة تذهبان معاً».

اليوم، عندما نمرّ ببوابة براندنبورغ، التي كانت مقسّمة بين برلين الشرقية والغربية، نجد أنها الساحة العامة الأكثر شعبية في العاصمة الألمانية الموحدة. الجدار الذي كان يقف هناك لم يكن مجرد حاجزاً فيزيائياً، بل كان محاولة لقمع إرادة حرّة. وهذا ما يجعل ذكرى 12 يونيو 1987 تستحقّ أن تُحفَظ في ذاكرة البشرية، كتذكير بأن قوة الخطاب والإرادة الحرة يمكن أن تهزّ أقوى الأنظمة المستبدة.