في الثامن من يونيو عام ١٩٣٧، وتحديداً في مسرح أوبرا فرانكفورت، بدأ عرض صاخب وملحمي أعاد تعريف الموسيقى الكلاسيكية الحديثة. العمل؟ «كارمينا بورانا» للمؤلف الموسيقي الألماني كارل أورف. في تلك الليلة، لم يعلم أحد —لا الجمهور ولا النقاد— أنهم يستمعون لعمل فني سيظل عالقاً في الذاكرة البشرية لأكثر من ثمانين عاماً.
لكن ما الذي جعل عملاً عن القرون الوسطى يتحول لحدث حديث؟ الأجوبة تبدأ من مصدر غير متوقع: مخطوطة مخفية.
من مخطوطة قرنية إلى عمل خالد
في عام ١٨٠٣، اكتشفت مجموعة من القصائد اللاتينية والألمانية الوسطوية في دير بيزن بالقرب من ميونخ. هذه المخطوطة —التي سُمّيت «كارمينا بورانا» أو «أغاني بيارن»— كانت جمعاً من الأشعار عن الحب والشراب والسخرية من الدين في القرون الوسطى. بالنسبة لأورف، الذي كان يبحث عن صوت جديد يمزج بين الأصالة والحداثة، كانت هذه الكنز المفقود.
اختلاف أورف عن غيره أنه لم يكتفِ بالموسيقى الأوركسترالية التقليدية؛ بل جمع بين الكورال الضخم —يمتد أحياناً لما يقارب مئتي صوت— والإيقاعات القاسية والنغمات التي تذكّر بالموسيقى الإثنية. النتيجة: عمل متكامل يجمع بين الموت والحياة، بين الفرح والندم.
«أُو فورتُونا» — لحظة لا تُنسى
من المؤكد أنك سمعت مقطع «أُو فورتُونا» (O Fortuna) ذات مرة. بداية العمل —التي صارت مؤثراً شعبياً في الأفلام والإعلانات والألعاب— غنّت عن عجلة الحظ الدوّارة والحياة التي لا تتوقف. هذا المقطع وحده، رغم أنه لا يمثل سوى دقائق قليلة من عمل مدته ساعة كاملة، صار وجهاً للعمل بأكمله.
لكن «كارمينا بورانا» ليست مجرد «أُو فورتُونا». في ثنايا العمل أغانٍ عن الحب اللطيف، وأغنین عن الربيع، وأناشید عن الشراب والمجون التي تؤدّيها الجوقة بكامل حماسها. هناك نبرة ساخرة في العمل تجعله مختلفاً عن الأوبرا الألمانية الجادة في ذلك الوقت.
لماذا يهم هذا الحدث اليوم؟
بعد أكثر من ثمانين عاماً، «كارمينا بورانا» لا تزال تُعرض في أكبر المسارح العالمية —من دار العجلة الألمانية إلى دار أوبرا سيدني. العمل لم يتوقف عند حدود الموسيقى الكلاسيكية، بل تجاوزها: سُمِعت في حفلات كأس العالم، وعروض الأوبرا المفتوحة، وأفلام مثل «العرّاب» ومسلسل «غيم أوف ثرونز».
أما أورف —الذي استمر في تأليف أعمال أخرى ولكن بلا ما يقارب تأثير كارمينا— فقد صمّم عمله ليكون تجربة حية. قال ذات مرة إنه منصّة، وليس مجرّد «ألحان»؛ فهو منصّة للغناء والرقص والحركة، بعيداً عن التأمل الساكن.
في ٨ يونيو ١٩٣٧، لم يكن فرانكفورت تدري أنها شهدت تاريخاً سيعيش بلا نهاية. عندما كانت أصوات الكورال تتصاعد لأوّل مرة في «أُو فورتُونا»، كان العالم يستمع —وليس رغماً— لتحفة لا يمكن نسيانها.
