في 26 مايو 1908، وفي بقعة نائية جنوب غرب بلاد فارس (إيران حالياً)، حدث ما سيغير وجه الشرق الأوسط والعالم بأسره. بعد سبع سنوات من الحفر والتنقيب والمعاناة، انفجر النفط من بئر مسجد سليمان ليكون أول اكتشاف نفطي تجاري كبير في الشرق الأوسط. هذا الحدث لم يضع المنطقة على خريطة الطاقة العالمية فحسب، بل أسس لصناعة ستحدد مصير دول وترسم حدود النفوذ لعقود طويلة.

من يخصه: المهتمون بالتاريخ والاقتصاد والطاقة
أين يتم: مسجد سليمان — محافظة خوزستان (جنوب غرب إيران)
كم يكلف: التكلفة الإجمالية للتنقيب بلغت 600 ألف جنيه إسترليني
متى: 26 مايو 1908 — أول اندفاع نفطي تجاري في الشرق الأوسط
⚠️ معلومة: هذا البئر (المعروف بـ “بئر مسجد سليمان رقم 1”) أنتج ما يقرب من 250 ألف برميل سنوياً في سنواته الأولى

قصة النفط: من الصدفة إلى المشروع الأعظم

في أواخر القرن التاسع عشر، كان الأسطول البريطاني في خضم تحول استراتيجي كبير — التحول من الفحم إلى النفط كمصدر للطاقة. هذه الحاجة الملحة دفعت الحكومة البريطانية للبحث عن مصادر نفط مضمونة خارج حدودها. وكانت بلاد فارس — الدولة الضعيفة سياسياً ذات التضاريس الوعرة — هي الهدف.

في عام 1900، وصلت تقارير إلى لندن تشير إلى وجود دلائل على النفط في جنوب غرب بلاد فارس. اختارت الحكومة البريطانية شخصاً واحداً لتنفيذ المهمة: ويليام نوكس دارسي (William Knox D’Arcy)، مليونير بريطاني ثري من أصول أسترالية كان يبحث عن استثمارات جديدة بعد نجاحه في مناجم الذهب.

اتفاقية دارسي التاريخية — 28 مايو 1901

بعد مفاوضات مع مظفر الدين شاه القاجاري، وقعت اتفاقية استثنائية من 18 بنداً في 28 مايو 1901. بموجب هذه الاتفاقية، حصل دارسي على الحق الحصري للتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما ونقلهما وبيعهما في كامل بلاد فارس لمدة 60 عاماً، باستثناء خمس مقاطعات شمالية. مساحة الامتياز بلغت حوالي 1.2 مليون كيلومتر مربع — أي ثلاثة أرباع مساحة إيران!

في المقابل، دفع دارسي 20 ألف جنيه إسترليني فوراً، ووعد بتقاسم أرباح بنسبة 16% مع الحكومة الفارسية. هذا العقد الهزيل سيكون لاحقاً أحد أسباب الاستياء الشعبي الذي أدى إلى تأميم النفط الإيراني عام 1951.

الرجل الذي حفر في الصحراء — جورج رينولدز

أرسل دارسي مهندس حفر بريطانياً صلباً اسمه جورج رينولدز (George B. Reynolds) لقيادة عملية التنقيب. رينولدز وفريقه واجهوا ظروفاً لا تُحتمل: حرارة مرتفعة، أمراض، نقص في الإمدادات، ومراقبة مستمرة من القبائل المحلية المتوجسة.

بدأ الفريق الحفر في موقع اسمه “تشيا سرخ” (Chiah Surkh) قرب الحدود العراقية الحالية. في عام 1904، عثروا على النفط بكميات محدودة — ليست تجارية بعد. دارسي كان قد أنفق 160 ألف جنيه بالفعل وكان مديوناً للبنك بمبلغ 177 ألف إضافية. كانت المهمة على وشك الانهيار.

اللحظة الحاسمة

لولا تدخل الأميرالية البريطانية (البحرية الملكية) التي أقنعت شركة بورما للنفط (Burmah Oil) بدعم دارسي مالياً، لكانت القصة انتهت عند هذا الحد. في عام 1905، تشكل “اتحاد الامتياز” (Concession Syndicate)، وتقرر نقل عمليات الحفر إلى موقع جديد — مسجد سليمان (Masjed Soleyman) في محافظة خوزستان. سُمي الموقع بهذا الاسم نسبة إلى مسجد قديم كان في المنطقة منسوباً للنبي سليمان.

26 مايو 1908 — يوم الاندفاع العظيم

بعد أكثر من عام من الحفر في مسجد سليمان، وصل رينولدز وفريقه إلى عمق 360 متراً تحت سطح الأرض. في 26 مايو 1908، الساعة الرابعة فجراً، حدث ما كان ينتظرونه — ضغط هائل دفع النفط الخام بقوة من بئر مسجد سليمان رقم 1، وانطلقت نافورة ارتفاعها 15 متراً في الهواء.

“عند الساعة الرابعة صباحاً في 26 مايو، انفجر النفط من عمق 360 متراً. لم نستطع إيقاف التدفق لمدة ثلاثة أيام. الأرض اهتزت وكأن زلزالاً ضرب المكان.”

— من تقرير فريق الحفر في مسجد سليمان

الخبر وصل إلى لندن بعد أيام عبر التلغراف. ارتفعت أسعار أسهم دارسي فوراً. العالم كان على وشك دخول عصر جديد.

معلومات أساسية عن البئر والاكتشاف

المعلومةالتفاصيل
التاريخ26 مايو 1908
الموقعمسجد سليمان — خوزستان (جنوب غرب إيران)
عمق البئر360 متراً (1,180 قدماً)
المكتشفجورج رينولدز بتمويل من ويليام دارسي
كمية الإنتاج الأوليحوالي 250,000 برميل سنوياً
الشركة الناتجةشركة النفط الأنجلو-فارسية (لاحقاً BP)
قيمة الامتياز60 عاماً على 1.2 مليون كيلومتر مربع

النتائج التي غيرت العالم

هذا الاكتشاف لم يكن مجرد بئر نفط — بل كان شرارة انطلقت منها سلسلة من الأحداث غيرت المنطقة والعالم:

  1. تأسيس شركة النفط الأنجلو-فارسية (1909): بعد عام من الاكتشاف، تأسست شركة APOC التي ستتحول لاحقاً إلى شركة بريتيش بتروليوم (BP) — إحدى أكبر شركات الطاقة في العالم.
  2. تحول الأسطول البريطاني: قبل الحرب العالمية الأولى، قام وزير البحرية ونستون تشرشل بشراء 51% من أسهم الشركة لضمان إمدادات النفط للبحرية الملكية.
  3. بدء عصر النفط في الشرق الأوسط: هذا الاكتشاف فتح الطريق أمام اكتشافات هائلة في العراق (1927)، البحرين (1932)، السعودية (1938)، الكويت (1938)، والإمارات (1958).
  4. إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية: حول النفط المنطقة من عبور استراتيجي إلى مركز ثقل اقتصادي عالمي، وغير موازين القوى الدولية.
  5. التغير الاقتصادي والاجتماعي: حول دول الخليج من مجتمعات فقيرة تعتمد على صيد اللؤلؤ والتجارة إلى قوى اقتصادية عالمية.

الأسئلة الشائعة

كم استغرق التنقيب حتى الوصول للنفط؟
سبع سنوات كاملة من الحفر المستمر (1901-1908) مع محاولات في عدة مواقع مختلفة، ونفقات طائلة كادت تفلس دارسي.

أين تقع مسجد سليمان؟
في محافظة خوزستان جنوب غرب إيران، على بُعد حوالي 350 كيلومتراً شمال غرب ميناء بندر عباس.

ماذا بقي من البئر التاريخي؟
البئر رقم 1 لا يزال موجوداً حتى اليوم كموقع تاريخي في مدينة مسجد سليمان. المنطقة ما زالت منتجة للنفط، رغم تراجع إنتاجها مقارنة بالعقود الأولى.

هل كان هذا أول اكتشاف نفط في العالم؟
لا. أول بئر نفط في العالم كان في باكو (أذربيجان) عام 1846، وأول بئر تجاري ناجح في الولايات المتحدة كان في بنسلفانيا عام 1859. لكن هذا البئر كان الأول — والأهم — في الشرق الأوسط.

المصادر: ويكيبيديا — Masjed Soleyman, D’Arcy Concession, Anglo-Persian Oil Company